The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

و أما أفريقية و المغرب فلم يكن بها قبل الإسلام ملك ضخم إنما قطع الإفرنجة إلى أفريقية البحر و ملكوا الساحل و كانت طاعة البربر أهل الضاحية لهم طاعة غير مستحكمة فكانوا على قلعة و أوفاز و أهل المغرب لم تجاورهم دولة و إنما كانوا يبعثون بطاعتهم إلى القوط من وراء البحر ولما جاء الله بالإسلام و ملك العرب أفريقية و المغرب لم يلبث فيهم ملك العرب إلا قليلاً أول الإسلام و كانوا لذلك العهد في طور البداوة و من استقر منهم بإفريقية والمغرب لم يجد بهما من الحضارة ما يقلد فيه من سلفة إذ كانوا برابر منغمسين في البداوة ثم انتقض برابرة المغرب الأقصى لأقرب العهود على ميسرة المطفري أيام هشام بن عبد الملك و لم يراجعوا أمر العرب بعد و استقلوا بأمر أنفسهم و إن بايعوا لإدريس فلا تعد دولته فيهم عربية لأن البراير هم الذين تولوها و لم يكن من العرب فيها كثير عدد و بقيت أفريقية للأغالبة و من إليهم من العرب فكان لهم من الحضارة بعض الشيء بما حصل لهم من ترف الملك و نعيمه و كثرة عمران القيروان و ورث ذلك عنهم كتامة ثم صنهاجة من بعدهم و ذلك كله قليل لم يبلغ أربعمائة سنة و انصرمت دولتهم و استحالت صبغة الحضارة بما كانت غير مستحكمة و تغلب بدو العرب الهلاليين عليها و خربوها و بقي أثر خفي من حضارة العمران فيها و إلى هذا العهد يونس فيمن سلف له بالقلعة أو القيروان أو المهدية سلف فتجد له من الحضارة في شؤن منزله و عوائد أحواله آثاراً ملتبسة بغيرها يميزها الحضري البصير بها و كذا في أكثر أمصار أفريقية و ليس كذلك في المغرب و أمصاره لرسوخ الدولة بأفريقية أكثر أمداً منذ عند الأغالبة و الشيعة وصنهاجة و أما المغرب فانتقل إليه منذ دولة الموحدين من الأندلس حظ كبير من الحضارة و استحكمت به عوائدها بما كان لدولتهم مني الاستيلاء على بلاد الأندلس و انتقل الكثير من أهلها إليهم طوعاً و كرهاً و كانت من اتساع النطاق ما علمت فكان فيها حظ صالح من الحضارة و استحكامها و معظمها من أهل الأندلس ثم انتقل أهل شرف الأندلس عند جالية النصارى إلى أفريقية فأبقوا فيها وبأمصارها من الحضارة آثاراً و معظمها بتونس امتزجت بحضارة مصر و ما ينقله المسافرون
PreviousPage 88 of 154
Next