The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

و الحضارة إنما هي توفر العمران كما قدمناه فتنقص حضارته و تمدنه. و هو معنى اختلاله. و هذا كما وقع للسلجوقية في عدولهم بكرسيهم عن بغداد إلى أصبهان و للعرب قبلهم في العدول عن المدائن إلى الكوفة و البصرة، و لبني العباس في العدول عن دمشق إلى بغداد و لبني مرين بالمغرب في العدول عن مراكش إلى فاس. و بالجملة فاتخاذ الدولة الكرسي في مصر يخل بعمران الكرسي الأول. الأمر الرابع أن الدولة الثانية لا بد فيها من أهل الدولة السابقة و أشياعها بتحويلهم إلى قطر آخر هو من فيه غائلتهم على الدولة و أكثر أهل المصر الكرسي أتباع الدولة. أما من الحامية الذين نزلوا به أول الدولة أو أعيان المصر لأن لهم في الغالب مخالطة للدولة على طبقاتهم و تنوع أصنافهم. بل أكثرهم ناشئ في الدولة فهم شيعة لها. و إن لم يكونوا بالشوكة والعصبية فهم بالميل و المحبة و العقيدة. و طبيعة الدولة المتجددة محو آثار الدولة السابقة فينقلهم من مصر الكرسي إلى و طنها المتمكن في ملكتها. فبعضهم على نوع التغريب و الحبس و بعضهم على نوع الكرامة و التلطف بحيث لا يؤدي إلى النفرة حتى لا يبقى في مصر الكرسي إلا الباعة و الهمل من أهل الفلح و العيارة و سواد العامة و ينزل مكانهم حاميتها و أشياعها من يشتد به المصر وإذا ذهب من المصر أعيانهم على طبقاتهم نقص ساكنه و هو معنى اختلال عمرانه.
PreviousPage 95 of 154
Next