The Muqaddimah

Free to read — public domain
About this book

ثم لا بد من أن يستجد عمران آخر في ظل الدولة الجديدة و تحصل فيه حضارة أخرى على قدر الدولة. و إنما ذلك بمثابة من له بيت على أوصاف مخصوصة فاظهر من قدرته على تغيير تلك الأوصاف و إعادة بنائها على ما يختاره و يقترحه فيخري ذلك البيت ثم يعيد بناءه ثانياً. و قد و قع من ذلك كثير في الأمصار التي هي كراسي للملك و شاهدناه. و عرفناه و الله يقدر الليل و النهار. و السبب الطبيعي الأول في ذ لك على الجملة أن الدولة و الملك للعمران بمثابة الصورة للمادة و هو الشكل الحافظ بنوعه لوجودها. و قد تقرر في علوم الحكمة أنه لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر. فالدولة دون العمران لا تتصور و العمران دون الدولة و الملك متعذر لما في طباع البشر من العدوان الداعي إلى الوازع فتتعين السياسة لذلك أما الشريعة أو الملكية و هو معنى الدولة و إذا كانا لا ينفكان فاختلال أحدهما في مؤثر في اختلال الآخر كما أن عدمه مؤثر في عدمه و الخلل العظيم إنما يكون من خلال الدولة الكلية مثل دولة الروم أو الفرس أو العرب على العموم أو بني أمية أو بني العباس كذلك. و أما الدولة الشخصية مثل دولة أنو شروان أو هرقل أو عبد الملك بن مروان أو الرشيد فأشخاصها متعاقبة على العمران حافظة لوجوده و بقائه و قريبة الشبه بعضها من بعض فلا تؤثر كثير اختلال لأن الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنما هي العصبية و الشوكة و هي مستمرة على أشخاص الدولة فإذا ذهبت تلك العصبية و دفعتها عصبية أخرى مؤثرة في العمران ذهبت أهل الشوكة بأجمعهم و عظم الخلل كما قررناه أولاً و الله سبحانه و تعالى أعلم.
PreviousPage 96 of 154
Next