=== آداب الجن ===
تحفِّظونها الحزاورة في المكاتب، وإن شئت أمليتك ألف كلمةٍ على هذا الوزن على مثل: منزل وحومل، وألفاً على ذلك القبريّ يجيء على منزل وحومل، وألفاً على منزلاً وحوملاً، وألفاً على: منزله وحومله، وألفاً على: منزله وحومله، وألفاً على: منزله وحومله. وكلُّ ذلك لشاعرٍ منَّا هلك وهو كافرٌ، وهو الآن يشتعل في أطباق الجحيم. فيقول، وصل الله أوقاته بالسعادة: أيُّها الشيخ، لقد بقي عليك حفظك! فيقول: لسنا مثلكم يا بني آدم يغلب علينا النِّسيان والرُّطوبة، لأنِّكم خلقتم من حماءٍ مسنونٍ، وخلقنا من مارجٍ من نار. فتحمله الرَّغبة في الأدب أن يقول لذلك الشّيخ: أفتملُّ عليَّ شيئاً من تلك الأشعار؟ فيقول الشيخ: فإذا شئت أمللتك ما لا تسقه الرِّكاب، ولا تسعه صحف دنياك.
فيهمُّ الشّيخ، لا زالت همتَّه عاليةً، بأن يكتتب منه، ثمَّ يقول: لقد شقيت في الدار العاجلة بجمع الأدب، ولم أحظ منه بطائلٍ، وإنَّما كنت أتقرَّب به إلى الرؤساء، فأحتلب منهم درَّبكيء وأجهد أخلاف مصورٍ، ولست بموفَّقٍ إن تركت لذَّات الجنَّة وأقبلت أتنسخ آداب الجنَّ ومعي من الأدب ما هو كان لاسيما وقد شاع النسيان في أهل أدب الجنة، فصرت من أكثرهم رواية وأوسعهم حفظاً، ولله الحمد.
ويقول لذلك الشيخ: ما كنيتك لأكرمك بالتَّكنية؟ فيقول: أبو هدرش، أولدت من الأولاد ما شاء الله، فهم قبائل: بعضهم في النّار الموقدةٍ، وبعضهم في الجنان. فيقول: يا أبا هدرش، مالي أراك أشيب وأهل الجنّة شبابٌ؟ فيقول: إنَّ الإنس أكرموا بذلك وأحرمناه، لأنّا أعطنا الحولة في الدار الماضية، فكان أحدنا إن شاء صار حيَّةً رقشاء، وإن شاء صار عصفوراً، وإن شاء صار حمامة، فمنعنا التصوَّر في الدار الآخرة، وتركنا على خلقنا لا نتغيَّر، وعوّض بنو آدم كونهم فيما حسن من الصور. وكان قائل الإنس يقول في الدار الذاهبة: أعطينا الحيلة، وأعطي الجنُّ الحولة.
ولقد لقيت من بني آدم شرّاً، ولقوا منّي كذلك، دخلت مرَةً دار أناسٍ أريد أن أصرع فتاةً لهم، فتصوَّرت في صورة عضلٍ أي جرذٍ فدعوا لي الضَّياون، فلمَّا أرهقتني تحوَّلت صلاً أرقم ودخلت في قطيلٍ هناك، فلمَّا علموا ذلك كشفوه عني، فلمَّا خفت القتل صرت ريحاً هفَّافةً فلحقت بالرَّوافد ونقضوا تلك الخشب والأجذال فلم يروا شيئاً. فجعلوا يتفكَّنون ويقولون: ليس هاهنا مكانٌ يمكن أن يستتر فيه. فبيناهم يتذاكرون ذلك عمدت لكعابهم في الكلَّة، فلمَّا رأتني أصابها الصَّرع، واجتمع أهلها من كلِّ أوبٍ، وجمعوا لها الرقاة، وجاؤوا بالأطبَّة وبذلوا المنفسات، فما ترك راقٍ رقيةً إلاَّ عرضها عليَّ وأنا لا أجيب، وغبرت الأساة تسقيها الأشفية وأنا سدكٌ بها لا أزول، فلمَّا أصابها الحمام طلبت لي سواها صاحبةً، ثمّ كذلك حتى رزق الله الإنابة وأثاب الجزيل،فلا أفتأ له من الحامدين: