The Epistle of Forgiveness

Free to read — public domain
About this book

ويمرُّ ملكٌ من الملائكة، فيقول: يا عبد الله، أخبرني عن الحور العين، أليس في الكتاب الكريم: " إنَّا أنشأناهنَّ إنشاءً، فجعلناهنَّ أبكاراً، عرباً أتراباً، لأصحاب اليمين " . فيقول الملك: هنَّ على ضربين: ضربٌ خلقه الله في الجنَّة لم يعرف غيرها، وضربٌ نقله الله من الدار العاجلة لمَّا عمل الأعمال الصالحة. فيقول، وقد فكر ممَّا سمع، أي عجب: فأين اللّواتي لم يكنَّ في الدار الفانية؟ وكيف يتميَّزن من غيرهنَّ؟ فيقول الملك: قف أثري لترى البديء من قدره الله. فيتبعه، فيجيء به إلى حدائق لا يعرف كنهها إلاّ الله، فيقول الملك: خذ ثمرةً من هذا الثمر فاكسرها فإنَّ هذا الشجر يعرف بشجر الحور. فيأخذ سفرجلةً،أو رمَّانةً، أو تفَّاحةً، أو ما شاء الله من الثمار، فيكسرها، فتخرج منها جاريةٌ حوراء عيناء تبرق لحسنها حوريّات الجنان، فتقول: من أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا فلان بن فلانٍ. فتقول: إنَّي أمنَّى بلقائك قبل أن يخلق الله الدُّنيا بأربعة آلاف سنة. فعند ذلك يسجد إعظاماً لله القدير ويقول: هذا كما جاء في الحديث: أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، وبله ما أطلعتهم عليه وبل في معنى: دع وكيف. ويخطر في نفسه، وهو ساجدٌ، أنَّ تلك الجارية، على حسنها، ضاويةٌ، فيرفع رأسه من السُّجود وقد صار من ورائها ردفٌ يضاهي كثبان عالجٍ، وأنقاء الدَّهناء، وأرملة يبرين وبني سعدٍ، فيهال من قدرة اللّطيف الخبير ويقول: يا رازق المشرقة سناها، ومبلغ السائلة مناها، والذي فعل ما أعجز وهال، ودعا إلى الحلم الجهَّال، أسألك أن تقصر بوص هذه الحوريَّة على ميلٍ في ميل، فقد جاز بها قدرك حدَّ التأميل. فيقال له: أنت مخيَّر في تكوين هذه الجارية كما تشاء. فيقتصر من ذلك على الإرادة. ويبدو له أن يطَّلع إلى أهل النّار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النّعم، بدليل قوله تعالى: " قال قائلٌ منهم: إنّي كان لي قرينٌ، يقول أئنَّك لمن المصدِّقين، أئذا متنا وكنَّا ترباً وعظاماً أئنَّا لمدينون. قال هل أنتم مطَّلعون. فاطَّلع فرآه في سواء الجحيم، قال: تالله إن كدت لتردين، ولولا نعمة ربِّي لكنت من المحضرين " . فيركب بعض دوابِّ الجنَّة ويسير، فإذا هو بمدائن ليست كمدائن الجنَّة، ولا عليها النّور الشّعشعانيُّ، وهي ذات أدحالٍ وغماليل. فيقول لبعض الملائكة: ما هذه يا عبد الله؟ فيقول: هذه جنِّة العفاريت الذين آمنوا بمحمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، وذكروا في الأقحاف، وفي سورة الجنَّ، وهم عددٌ كثيرٌ. فيقول: لأعدَّلنَّ إلى هؤلاء فلن أخلو لديهم من أعجوبةٍ. فيعوج عليهم، فإذا هو بشيخٍ جالسٍ على باب مغارةٍ، فيسلِّم عليه فيحسن الرَّدَّ ويقول: ما جاء بك يا إنسيُّ؟ إنَّك بخيرٍ لعسيّ، مالك من القوم سيّ! فيقول: سمعت أنَّكم جنٌّ مؤمنون فجئت ألتمس عندكم أخبار الجنَّان، وما لعلَّه لديكم من أشعار المردة. فيقول ذلك الشيخ: لقد أصبت العالم ببجدة الأمر، ومن هو منه كالقمر من الهالة لا كالحاقن من الإهالة، فسل عمّا بدا لك. فيقول: ما أسمك أيّها الشيخ؟ فيقول: أنا الخيثعرر أحد بني الشِّيصبان،ولسنا من ولد إبليس ولكنَّا من الجنّ الذين كانوا يسكنون الأرض قبل ولد آدم، صلّى الله عليه. فيقول: أخبرني عن أشعار الجنِّ، فقد جمع منها المعروف بالمرزبانيّ قطعةً صالحة. فيقول ذلك الشيخ: إنّما ذلك هذيانٌ لا معتمد عليه، وهل يعرف البشر من النَّظيم إلاّ كما تعرف البقر من علم الهيئة ومساحة الأرض؟ وإنَّما لهم خمسة عشر جنساً من الموزون قلَّ ما يعدوها القائلون، وإنَّ لنا لآلاف أوزانٍ ما سمع بها الإنس. وإنَّما كانت تخطر بهم أطيفالٌ منَّا عارمون فتنفث إليهم مقدار الضُّوازة من أراك نعمان. ولقد نظمت الرّجز والقصيد قبل أن يخلق الله آدم بكورٍ أن كورين. وقد بلغني أنّكم معشر الإنس تلهجون بقصيدة امريء القيس:
PreviousPage 46 of 69
Next