وروى عن زياد بن أبي سفيان رحمه الله أنه قال لجلساته: من أنعم الناس عيشة؟ قالوا: أمير المؤمنين. فقال: وأين ما يلقى من قريش؟ قيل:
فأنت. قال: أين ما ألقى من الخوارج والثغور؟ قيل فمن أيها الأمير. قال: رجل مسلم له زوجة مسلمة لهما كفاف من العيش قد رضيت به
ورضى بها لا يعرفنا ولا نعرفه.
وهل فيما وافق إعجاب المخلوقين، وجلا القلوب، واستمال الحواس. واستهوى النفوس، واستولى على الأهواء، واقتطع الألباب، واختلس
العقول، مستحسن يعدل إشفاق محب على محبوب ولقد شاهدت من هذا المعنى كثيراً، وإنه لمن المناظر العجيبة الباعثة على الرقة الرائقة المعنى
لا سيما إن كان هوى يتكتم به. فلو رأيت المحبوب حين يعرض بالسؤال عن سبب تغضبه بحبه، وخجلته في الخروج مما وقع فيه بالإعتذار،
وتوجيهه إلى غير وجهه، وتحليله في استنباط معنى يقيمه عند جلسائه، لرأيت عجباً ولذة مخيفة لا تقاومها لذة، و رأيت أجلب للقلوب ولا
أغوص على حياتها ولا أنفذ للمقاتل من هذا الغفل، وإن للمحبين في الوصل من الاعتذار ما أعجز أهل الأذهان الذكية والأفكار القوية.
ولقد رأيت في بعض المرات هذا فقلت:
وإني لأعلم فتى وجارية كان يكلف كل واحد منهما بصاحبه، فكانا يضطجعان إذا حضرهما أحد وبينهما المسند العظيم من المساند
الموضوعة عند ظهور الرؤساء على الفرش ويلتقي رأساهما وراء المسند ويقبل كل واحد منهما صاحبه ولا يريان، وكأنهما إنما يتمدادن من
الكلل. ولقد كان بلغ من تكافئهما في المودة آمراً عظيماً، إلى أن كان الفتى المحب ربما استطال عليها. وفي ذلك أقول: